فصل: بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المبسوط



.بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ:

الْأَصْلُ فِي صَلَاةِ الْمَرِيضِ قَوْله تَعَالَى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} قَالَ الضَّحَّاكُ فِي تَفْسِيرِهِ: هُوَ بَيَانُ حَالِ الْمَرِيضِ فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى حَسَبِ الطَّاقَةِ «وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ يَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ فَقَالَ: كَيْفَ أُصَلِّي فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى الْجَنْبِ تُومِئُ إيمَاءً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَاَللَّهُ أَوْلَى بِالْعُذْرِ» أَيْ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنْكَ، وَلِأَنَّ الطَّاعَةَ عَلَى حَسَبِ الطَّاقَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا} وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.
فَإِذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: الْمَرِيضُ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ يُصَلِّي قَائِمًا، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ يُصَلِّي قَاعِدًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَإِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْقُعُودِ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ؛ لِأَنَّهُ وُسْعُ مِثْلِهِ، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ وَعَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ فَإِنَّهُ يَقْعُدُ، وَفَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الصَّوْمِ، فَإِنَّ الْمَرِيضَ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الصَّوْمِ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ ثُمَّ عَجَزَ، فَإِنَّهُ لَا يَصُومُ أَصْلًا وَهُنَا يُصَلِّي.
وَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي الصَّوْمِ لَمَّا أَفْطَرَ فِي آخِرِ الْيَوْمِ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ مُعْتَدًّا فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ، وَفِي الصَّلَاةِ وَإِنْ قَعَدَ فِي آخِرِهِ، وَلَكِنَّ فِعْلَهُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ وَقَعَ مُعْتَدًّا فَيَشْتَغِلُ بِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ وَعَاجِزًا عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا بِإِيمَاءٍ وَسَقَطَ عَنْهُ الْقِيَامُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقِيَامَ لَيْسَ بِرُكْنٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ إنَّمَا شُرِعَ لِافْتِتَاحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِهِ، فَكُلُّ قِيَامٍ لَا يَعْقُبُهُ سُجُودٌ لَا يَكُونُ رُكْنًا، وَلِأَنَّ الْإِيمَاءَ إنَّمَا شُرِعَ لِلتَّشَبُّهِ بِمَنْ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَالتَّشَبُّهُ بِالْقُعُودِ أَكْثَرُ، وَلِهَذَا قُلْنَا بِأَنَّ الْمُومِئَ يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَشْبَهَ بِالسُّجُودِ إلَّا أَنَّ بِشْرًا يَقُولُ: إنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ بِالْمَرَضِ مَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ إتْيَانِهِ، فَأَمَّا فِيمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ، وَلَكِنَّ الِانْفِصَالَ عَنْهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا إنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْقُعُودِ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ مُضْطَجِعًا مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ وَوَجْهُهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَضْطَجِعُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَوَجْهُهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَعَلَى الْجَنْبِ تُومِئُ إيمَاءً» فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى الْجَنْبِ، وَلِأَنَّ فِيمَا قُلْنَا وَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَكَمَا إذَا اُحْتُضِرَ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ هَكَذَا يُصَلِّي أَيْضًا، وَكَذَلِكَ يُوضَعُ فِي الْقَبْرِ هَكَذَا، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا بِأَنَّهُ إذَا اسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ كَانَ أَقْرَبَ إلَى اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فَالْجَانِبَانِ مِنْهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَوَجْهُهُ إلَى مَا هُوَ الْقِبْلَةُ، وَفِيمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهُهُ إلَى رِجْلِهِ وَذَا لَيْسَ بِقِبْلَةٍ، وَكَذَلِكَ إذَا قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ فَوَجْهُهُ أَيْضًا يَكُونُ إلَى الْقِبْلَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا اُحْتُضِرَ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَمْ يَكُنْ مَرَضُهُ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ فَاقْتَرَبَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَلِمَا قِيلَ بِأَنَّ مَرَضَهُ كَانَ بَاسُورًا فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَلْقِيَ عَلَى قَفَاهُ.
وَالثَّانِي وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَعَلَى الْجَنْبِ تُومِئُ إيمَاءً» يَعْنِي سَاقِطًا عَلَى الْجَنْبِ كَقَوْلِهِ: {فَإِذَا وَجَبَتْ جَنُوبُهَا} أَيْ سَقَطَتْ فَكَذَلِكَ هُنَا.
قَالَ: (الْمُومِئُ إذَا اقْتَدَى بِالْمُومِئِ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ» مَعْنَاهُ صَلَاةُ الْإِمَامِ تَتَضَمَّنُ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي، وَتَضَمُّنُ الشَّيْءِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ وَلَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا هُوَ دُونَهُ، وَهَا هُنَا حَالُ الْمُقْتَدِي مِثْلُ حَالِ الْإِمَامِ أَوْ دُونَهُ فَيَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، فَإِذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ بِأَنَّ الْإِمَامَ إنْ كَانَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُومِيًا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ؛ لِأَنَّ مِثْلُ حَالِ الْإِمَامِ أَوْ دُونَهُ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَارِئًا وَالْمُقْتَدِي قَارِئًا أَوْ أُمِّيًّا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ؛ لِأَنَّ مِثْلُ حَالِ الْإِمَامِ أَوْ دُونَهُ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِمَامُ قَاعِدًا وَالْمُقْتَدِي قَائِمًا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى اسْتِحْسَانًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَصِحُّ قِيَاسًا.
وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا»، وَهَذَا نَصٌّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَؤُمُّ الْمُتَيَمِّمُ الْمُتَوَضِّئِينَ وَلَا الْمُقَيَّدُ الْمُطْلَقِينَ، وَهَذَا نَصٌّ وَالْمَعْنَى فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ صَاحِبُ عُذْرٍ، فَمَنْ كَانَ حَالُهُ مِثْلَ حَالِ الْإِمَامِ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ وَمَا لَا فَلَا، كَإِمَامَةِ صَاحِبِ الْجُرْحِ السَّائِلِ لِلْأَصِحَّاءِ وَلِأَصْحَابِ الْجُرُوحِ.
وَتَأْثِيرُ هَذَا الْكَلَامِ وَهُوَ أَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ وَالْمُقْتَدِي يَنْفَرِدُ بِهَذَا الرُّكْنِ فَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّهُ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ يَكُونُ هَذَا مُقْتَدِيًا بِالْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ وَكَانَ قَاعِدًا وَهُمْ قِيَامٌ خَلْفَهُ» فَإِنَّهُ لَمَّا ضَعُفَ فِي مَرَضِهِ قَالَ «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إذَا وَقَفَ فِي مَكَانِكَ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ، فَلَوْ أَمَرْتَ غَيْرَهُ فَقَالَتْ ذَلِكَ كَرَّتَيْنِ، فَقَالَ: إنَّكُنَّ صَاحِبَاتُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا شَرَعَ أَبُو بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِفَّةً فِي نَفْسِهِ فَخَرَجَ وَهُوَ يُهَادِي بَيْنَ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ عَلِيٍّ، وَكَانَ رِجْلَاهُ تَخُطَّانِ الْأَرْضَ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّ مَجِيءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَأَخَّرَ وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَعَدَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقَوْمُ يُكَبِّرُونَ بِتَكْبِيرِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكَبِّرُ بِتَكْبِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةُ يُكَبِّرُونَ بِتَكْبِيرِ أَبِي بَكْرٍ»، وَهَذَا آخِرُ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ، فَيَكُونُ نَاسِخًا لِمَا كَانَ قَبْلَهُ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ «جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فَرَسِهِ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْسَرُ فَلَمْ يَخْرُجْ أَيَّامًا، فَالصَّحَابَةُ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَوَجَدُوهُ فِي الصَّلَاةِ قَاعِدًا فَاقْتَدُوا بِهِ قِيَامًا فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اُقْعُدُوا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَى أَئِمَّتِكُمْ، فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا أَجْمَعِينَ وَلَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا» وَلَكِنَّا نَقُولُ: صَارَ هَذَا مَنْسُوخًا بِفِعْلِهِ الْآخِرِ وَهُوَ مَا رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ مَرَضِ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قُلْنَا: لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةً وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَا الْمَاسِحُ لِلْغَاسِلِينَ وَبِالْإِجْمَاعِ إمَامَةُ الْمَاسِحِ لِلْغَاسِلِ جَائِزَةٌ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ.
وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ صَاحِبُ بَدَلٍ صَحِيحٍ فَاقْتِدَاءُ صَاحِبِ الْأَصْلِ بِهِ صَحِيحٌ كَالْمَاسِحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إذَا أَمَّ الْغَاسِلِينَ بِخِلَافِ صَاحِبِ الْجُرْحِ السَّائِلِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَاحِبِ بَدَلٍ صَحِيحٍ، وَلِأَنَّ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ تَقَارُبًا فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يَجُوزَ الْقُعُودُ فِي التَّطَوُّعِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقَائِمَ كِلَا الْجَانِبَيْنِ مِنْهُ مُسْتَوٍ، فَالْقَاعِدُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ مِنْهُ مُنْثَنٍ فَكَانَ بَيْنَهُمَا تَقَارُبٌ، فَيَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ كَاقْتِدَاءِ الْقَائِمِ بِالرَّاكِعِ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ مُضْطَجِعًا وَالْمُقْتَدِي يُصَلِّي بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ هُوَ يَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُؤَدٍّ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِصِفَةِ الصِّحَّةِ فَيَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، نَظِيرُهُ اقْتِدَاءُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ وَالْغَاسِلِ بِالْمَاسِحِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ بِأَنَّ حَالَ الْمُقْتَدِي فَوْقَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالْإِيمَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ فَيَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ، وَلِأَنَّ الْإِيمَاءَ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُهُ فَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّهُ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ يَكُونُ هَذَا اقْتِدَاءً بِالْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ وَالْمَسْحِ، فَإِنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ، وَالْمَسْحُ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ فَيَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ.
فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يُصَلِّي قَاعِدًا بِالْإِيمَاءِ وَالْمَأْمُومُ يُصَلِّي قَائِمًا بِالْإِيمَاءِ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقِيَامَ لَيْسَ بِرُكْنٍ حَتَّى كَانَ الْأَوْلَى تَرْكُهُ فَيُجْعَلُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَلَوْ كَانَ مَعْدُومًا أَصْلًا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا اقْتِدَاءُ الْقَاعِدِ بِالْقَاعِدِ فَكَذَلِكَ هُنَا.
فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ مُضْطَجِعًا وَالْمُقْتَدِي يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ فَوْقَ حَالِ الْإِمَامِ فَيَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ.
قَالَ: (فَإِنْ نُزِعَ الْمَاءُ مِنْ عَيْنَيْهِ وَأُمِرَ بِأَنْ يَسْتَلْقِيَ عَلَى قَفَاهُ أَيَّامًا وَنُهِيَ عَنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْإِيمَاءِ مُضْطَجِعًا عِنْدَ عُلَمَائِنَا) وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ لَهُ طَبِيبٌ بَعْدَمَا كُفَّ بَصَرُهُ: لَوْ صَبَرْتَ أَيَّامًا مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاكَ لَصَحَّتْ عَيْنَاكَ فَشَاوَرَ فِي ذَلِكَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا وَالصَّحَابَةَ فَلَمْ يُرَخِّصُوا لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَالُوا لَهُ: أَرَأَيْتَ لَوْ مِتَّ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ كَيْفَ تَصْنَعُ بِصَلَاتِكَ فَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَوَّزُوا لَهُ إلَّا أَنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا بِأَنَّ حُرْمَةَ الْأَعْضَاءِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ، ثُمَّ خَافَ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ كَانَ مَعَهُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُرَخِّصُوا لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عِنْدَهُمْ صِدْقُ ذَلِكَ الطَّبِيبِ فِيمَا يَدَّعِي، فَلِهَذَا لَمْ يُرَخِّصُوا لَهُ.
قَالَ: (وَلَوْ أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مُتَعَمِّدًا لَا تَجُوزُ، وَإِنْ أَخْطَأَ تَجُوزُ) مَعْنَاهُ إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَتَحَرَّى إلَى جِهَةٍ وَصَلَّى إلَيْهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ تَجُوزُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ تَعَمَّدَ لَا تَجُوزُ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قِبْلَةُ الْمُتَحَرِّي جِهَةُ قَصْدِهِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَرِيضَ إنَّمَا يُفَارِقُ الصَّحِيحَ فِيمَا هُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ، وَأَمَّا فِيمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ هُوَ وَالصَّحِيحُ سَوَاءٌ، ثُمَّ الصَّحِيحُ إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فِي الْمَغَارَةِ فَتَحَرَّى إلَى جِهَةٍ وَصَلَّى إلَيْهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ تَجُوزُ صَلَاتُهُ، وَلَوْ تَعَمَّدَ لَا تَجُوزُ فَكَذَلِكَ هَذَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا كَانَ وَجْهُهُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُحَوِّلَ وَجْهَهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَلَا يَجِدُ أَحَدًا بِأَنْ يُحَوِّلَ وَجْهَهُ إلَى الْقِبْلَةِ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا بَرَأَ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ التَّوَجُّهَ إلَى الْقِبْلَةِ شَرْطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ، وَالْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ أَرْكَانُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ مَا سَقَطَ عَنْهُ مِنْ الْأَرْكَانِ بِعُذْرِ الْمَرَضِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ مَا سَقَطَ عَنْهُ مِنْ الشُّرُوطِ بِعُذْرِ الْمَرَضِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا إذَا صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ أَوْ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ أَوْ عُرْيَانًا لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ فِيمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ هُوَ وَالصَّحِيحُ سَوَاءٌ، ثُمَّ الصَّحِيحُ إذَا صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ أَوْ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ أَوْ عُرْيَانًا لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ فَكَذَلِكَ هُنَا.
قَالَ: (قَوْمٌ مَرْضَى فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمْ جِهَةُ الْقِبْلَةِ صَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ فَتَحَرَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى جِهَةٍ وَصَلَّى إلَيْهَا جَازَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ)؛ لِأَنَّهَا تَجُوزُ مِنْ الْأَصِحَّاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَمِنْ الْمَرْضَى أَوْلَى، قَالَ الْحَاكِمُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا جَازَتْ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي إذَا كَانَ الْمُقْتَدِي لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ خَالَفَ إمَامَهُ، فَأَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ خَالَفَ إمَامَهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ فَسَادَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمُقْتَدِيَ إذَا اعْتَقَدَ فَسَادَ صَلَاةِ الْإِمَامِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا صَلَّى فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ خَالَفَ إمَامَهُ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَا اعْتَقَدَ فَسَادَ صَلَاةِ الْإِمَامِ إلَّا إذَا كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الْإِمَامِ فَحِينَئِذٍ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ.
قَالَ: (مَرِيضٌ مُتَحَرٍّ أَوْ مُسَافِرٌ مُتَحَرٍّ تَبَيَّنَّ لَهُ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ لَهُ أَنْ يُحَوِّلَ وَجْهَهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَيَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ) لِحَدِيثِ أَهْلِ قُبَاءَ أُخْبِرُوا فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْقِبْلَةَ حُوِّلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى الْكَعْبَةِ، فَاسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ وَهُمْ فِي رُكُوعٍ فَجَوَّزَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّ الْمُؤَدَّى حَصَلَ بِالِاجْتِهَادِ، وَهَذَا اجْتِهَادٌ آخَرُ، وَالِاجْتِهَادُ لَا يَنْقُضُ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ، كَالْقَاضِي إذَا قَضَى فِي حَادِثَةٍ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ اجْتِهَادَهُ كَانَ خَطَأً فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بِاجْتِهَادٍ آخَرَ لَا يَنْقُضُ قَضَاؤُهُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
قَالَ: (الْمَرِيضُ الْمُومِئُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ يُومِئُ إيمَاءً لِسَهْوِهِ) لِأَنَّ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ دُونَ الصُّلْبِيَّةِ وَتِلْكَ تَتَأَدَّى بِالْإِيمَاءِ فَهَذَا أَوْلَى، فَلَوْ أَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِالرَّأْسِ سَقَطَ عَنْهُ الصَّلَاةُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ وَقَالَ زُفَرُ وَالْحَسَنُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: يُومِئُ بِعَيْنَيْهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِالْعَيْنَيْنِ قَالَ زُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ: يُومِئُ بِالْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ وُسْعُ مِثْلِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: بِأَنَّ الْإِيمَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِشَارَةِ، وَالْإِشَارَةُ إنَّمَا تَكُونُ بِالرَّأْسِ، فَأَمَّا الْعَيْنُ يُسَمَّى إنْحَاءً، وَلَا يُسَمَّى إيمَاءً، وَبِالْقَلْبِ يُسَمَّى نِيَّةً وَعَزِيمَةً وَبِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لَا تَتَأَدَّى الصَّلَاةُ، وَنَصْبُ الْأَبْدَالِ بِالرَّأْيِ لَا يَجُوزُ، ثُمَّ إذَا بَرَأَ يُنْظَرُ إنْ كَانَ مُعْتَقًا بَعْدَ هَذِهِ الْحَالَةِ حَتَّى إذَا بَرَأَ يَجِبُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ يُنْظَرُ إذَا كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ أَقَلَّ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ بِشْرٌ تَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ، وَإِنْ طَالَ الْإِغْمَاءُ.
هُوَ يَقُولُ: الْإِغْمَاءُ نَوْعُ مَرَضٍ فَلَا يُسْقِطُ الْقَضَاءَ كَالنَّوْمِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إذَا اسْتَوْعَبَ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلَةٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: وُجُوبُ الْقَضَاءِ يَنْبَنِي عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ فَقَضَاهُنَّ، وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَقَضَاهُمَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا فَلَمْ يَقْضِهَا.
وَالْفِقْهُ فِيهِ هُوَ أَنَّ الْإِغْمَاءَ إذَا طَالَ يُجْعَلُ كَالطَّوِيلِ عَادَةً وَهُوَ الْجُنُونُ وَالصِّغَرُ، وَإِذَا قَصُرَ يُجْعَلُ كَالْقَصِيرِ عَادَةً وَهُوَ النَّوْمُ، فَيُحْتَاجُ إلَى الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ، فَإِنْ كَانَ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ أَقَلَّ فَهُوَ قَصِيرٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَدْخُلْ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ يَكُونُ طَوِيلًا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ دَخَلَتْ تَحْتَ حَدِّ التَّكْرَارِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَلَكِنْ يُعْتَبَرُ بِالسَّاعَاتِ لَا بِالصَّلَوَاتِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
قَالَ: (وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ السُّجُودَ لِمَرَضٍ أَوْ جُرْحٍ أَوْ خَوْفٍ فَهُوَ كُلُّهُ سَوَاءٌ وَيُومِئُ)؛ لِأَنَّهُ وُسْعُ مِثْلِهِ.
قَالَ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ تَسْقُطُ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ) لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ كَمَا أَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ، فَلَوْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ سَقَطَ عَنْهُ الْقِيَامُ فَكَذَلِكَ هُنَا.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ عَلَى جَبْهَتِهِ جِرَاحَةٌ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الْجَبْهَةِ قَالَ يَسْجُدُ عَلَى أَنْفِهِ)؛ لِأَنَّ الْأَنْفَ مَسْجِدٌ كَالْجَبْهَةِ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ لِلْمَرِيضِ الْمُومِئِ أَنْ يُرْفَعَ إلَيْهِ عُودٌ أَوْ وِسَادَةٌ لِيَسْجُدَ عَلَيْهِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ لِيَعُودَهُ فَوَجَدَهُ يَسْجُدُ عَلَى عُودِهِ فَقَالَ لَهُ: إنْ قَدَرْتَ أَنْ تَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ فَاسْجُدْ وَإِلَّا فَأَوْمِ بِرَأْسِكَ» وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ دَخَلَ عَلَى أَخِيهِ عُتْبَةَ يَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ فَرَأَى عُودًا يُرْفَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ يَسْجُدُ عَلَيْهِ فَأَخَذَ الْعُودَ مِنْ يَدِ مَنْ كَانَ فِي يَدَيْهِ وَقَالَ: إنَّ هَذَا شَيْءٌ عَرَضَ لَكُمْ الشَّيْطَانُ فَأَوْمِ بِسُجُودِكَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رَأَى مَرِيضًا يَفْعَلُ هَكَذَا فَقَالَ: أَتَتَّخِذُونَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً فَدَلَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ سَجَدَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ قَالَ: يُنْظَرُ إنْ خَفَضَ رَأْسَهُ لِلرُّكُوعِ ثُمَّ لِلسُّجُودِ يَجُوزُ بِالْإِيمَاءِ لَا بِوَضْعِ الرَّأْسِ عَلَى الْعُودِ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ رَفَعَ الْعُودَ إلَى جَبْهَتِهِ وَوَضَعَ عَلَيْهِ جَبْهَتَهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْإِيمَاءُ فَقُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا إذَا سَجَدَ عَلَى الْوِسَادَةِ يُجْزِئُهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ «أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا كَانَ بِهَا رَمَدٌ فَسَجَدَتْ عَلَى الْمِرْفَقَةِ فَجَوَّزَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
قَالَ: (وَلَوْ أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا صَلَّى بِالْإِيمَاءِ مُضْطَجِعًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الصَّلَاةَ) وَلَا يَبْنِي إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي آخِرَ صَلَاتِهِ عَلَى أَوَّلِ صَلَاتِهِ، كَالْمُقْتَدِي يَبْنِي صَلَاتَهُ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ يَصِحُّ الْبِنَاءُ وَإِلَّا فَلَا فَنَقُولُ بِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَلَّى بِالْإِيمَاءِ مُضْطَجِعًا وَالْمُقْتَدِي يُصَلِّي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، فَكَذَلِكَ هُنَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ، وَأَمَّا إذَا صَلَّى قَاعِدًا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ثُمَّ بَرَأَ وَقَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَلَّى قَاعِدًا وَالْمُقْتَدِي قَائِمًا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَكَذَلِكَ يَصِحُّ الْبِنَاءُ، وَأَمَّا إذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ قَائِمًا ثُمَّ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ وَقَعَدَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، وَذَلِكَ يَصِحُّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.